تائهين في المحيط الهادئ، القصة حقيقية.

السبت، 11 أبريل، 2015


في الثامن والعشرين من شهر أكتوبر سنة 2005 وقبل شروق الشمس غادر خمسة صيادين ميناء "سان بلاس" المكسيكي في قارب بسيط طوله 9 متر وعرضه 3 متر من أجل رحلة لصيد سمك القرش، كان من المفترض أن لا تتجاوز مدة هذه الرحلة أسبوعين على أكبر تقدير وأن لا يبتعد قاربهم أكثر من مسافة 60 كم عن السواحل المكسيكية أي ماوراء جزر مارياس، لكن ما حدث بعد ذالك لم يكن متوقع، فقد تحوّل الأمر إلى محنة و معاناة  وسط مياه المحيط الهادئ إستمرت حوالي 289 يوم  قطع خلالها القارب مسافة 8000 كم - حوالي5000 ميل- وهو يسير عن غير هدى تحمله التيارات.

الصورة في الأعلى للمحيط الهادئ، صاحب الصورة Evan Leeson على موقع فليكر.

البحارة الخمسة هم "سلفادور أوردونيز" 37 سنة، "لوثيو ريندون"، و"خيسوس فيدانا" 27 سنة، و خوان من مدينة مازاتلان المكسيكية وهوصاحب القارب الذي إستأجرهم من أجل رحلة الصيد، و بحار خامس لم يعرف إسمه ربما يكون قد أتى مع خوان الذي هو الآخر  لايعرف إلا بهذا الاسم مضافا إليه إسم مدينة مازاتلان ،  نجى بأعجوبة من هذه الرحلة ثلاثة من الصيادين أما الإثنان الآخران فقد فارقا الحياة في الأشهر الأولى، وهما خوان والبحار الآخر الغير معروف إسمه.

صاحب الصورة: alexander rabbon Flickr
سان بلاس هي موطن الآلاف من الصيادين والعديد منهم لايملكون أدوات الإنقاذ على متن قواربهم، لايزال يعتمدون على وسائل بدائية و معظمهم لا يلتزم بقوانين الملاحة والسلطات لاتهتم للأمر، لم يكن مع البحارة الخمسة جهاز راديو لطلب النجدة ولا أي وسائل أخرى مجهّز بها القارب لإنقاذهم سوى بوصلة الصياد خيسوس خمّن بمساعدتها بأن القارب يتجه نحو سواحل الصين وساعة من نوع "كاسيو" يملكها لوثيو مكّنتهم من إحتساب الوقت طوال رحلة التيه، المؤونة القليلة التي كانت معهم  سرعان مانفذت، والأمر الذي زاد في معاناتهم أن القارب لم يكن مجهز بمأوى - قارب مفتوح open boat- يحميهم من الشمس الحارقة، ومن الأمطارو البرد، فلم يكن معهم سوى غطاء جعلوه كالمظلة فوق رءوسهم.

نقطة إنطلاق الصيادين -خرائط جوجل-
بدأت المشاكل تواجههم منذ الليلة الأولى من رحلة الصيد حيث فقدوا الخيط المخصص لصيد سمك القرش بعد أن إنفصل عن القارب، قضوا ساعات وهم يبحثون عنه بدون أن يعثروا على شيء وتعطل أحد المحركين بينما نفذ الوقود اللازم لتشغيل المحرك الثاني، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد تغير الطقس وضربت عاصفة باردة قوية القارب المصنوع من الألياف الزجاجية فدفعته نحو الغرب وسط عرض مياه المحيط الهادئ أكبر مسطّح مائي على الأرض، إستمر التيار بعد ذالك في دفعهم أكثر فأكثر بعيداعن الساحل بإتجاه الغرب، على الأرجح  تيار كاليفورنيا هو الذي سحبهم.

شيء كان الجميع يخشاه ويتوقع حدوثه لقد نفذ الأكل الذي كان معهم، لهذا السبب لجؤوا إلى العمل الذي يجيدونه، صيد السمك، لكن المشكلة أن الشصوص (خطافات) التي كانت معهم مخصصة لصيد أسماك القرش الكبيرة ولن تنفعهم في صيد السمك الصغير، فحاولوا في البداية صيد السمك باليد المجردة لكن الفشل كان نصيبهم، لهذا كان عليهم إبتكار حل من خلال صنع خطافات صغيرة بإستخدام النوابض التي حصلوا عليها من محرك القارب كما تدبروا أمر بعض الخيوط وبدأت العملية، كانوا في بعض المرات ينجحون في صيد أكثر من سمكة وأحيان أخرى يكون نصيبهم صفر، لم يكن في قائمة طعامهم السمك فقط بل طيور النورس وربما البط كذالك، فقد كان سلفادور بارعا في إصطياد الطيور التي تحط على القارب، يقترب منها بهدوء ثم ينقضّ عليها ببراعة  فلقّبه رفاقه بالقط el gato، لقد كان سلفادور مفيدا لرفاقه وساهم في إنقاذ حياتهم بما ساقه الله إليهم من رزق،  لحم السمك والطيور النيّء كان طعامهم طيلة هذه المحنة وماء المطر كان يروي عطشهم.

في شهري جانفي وديسمبر عرفوا أصعب اللحظات، فالعواصف كانت قوية، من الصعب إصطياد السمك أو الطيور في هذه الظروف، مر عليهم ثلاثة عشر يوم بدون أكل، وفي فترة أخرى لم يكن معهم إلا طائر واحد لأكله، إثنان من المجموعة لم يستطعا تناول اللحم النيّء من بينهما خوان صاحب القارب الذي كان يتقيأ دما،  في شهري جانفي وفيفري فارقا الحياة، الأول خوان تركوا جثته معهم على القارب ثلاث أيام ثم ألقوها في الماء، نفس المصير لاقته جثة البحار الثاني المجهول الهوية.

رغم كل الصعاب التي واجهت الصيادين الثلاثة إلا أنهم لم يفقدوا الأمل في النجاة وكانوا يدعون الله من أجل ذالك، من فترة إلى أخرى يرون السفن تمرعلى أنظارهم من بعيد ولكن محاولاتهم في جذب إنتباهها باءت كلها بالفشل، فالقارب صغير ويستحيل ملاحظته وسط مياه المحيط الواسعة، كانوا يتبادلون الأدوار ينام إثنان ويبقى واحد يراقب مرور أي سفينة لإنقاذهم.

في التاسع من شهر أوت أظهر رادار سفينة صيد سمك التونة Koo's 102 التايوانية وجود جسم على بعد مسافة، الجسم هو القارب المنكوب، تقترب السفينة من القارب بينما كان الثلاثة غارقين في النوم بأجسادهم الهزيلة وثيابهم الرثة، صوت محركات السفينة يوقظهم ليكونوا مع موعد الفرحة الكبيرة فرحة النجاة، حتى بعد أن يركب بعض أفراد طاقم السفينة المنقذة القارب الصغير يستمر الصيادين في التلويح بإشارات النجدة من شدة الفرح ولهفة النجاة، قدم للثلاثة على متن السفينة التايوانية أول وجبة ساخنة منذ أشهر وربما هم يتشوقون لتناول "التاكو" عند عودتهم إلى المكسيك، بالطبع قبل التاكو وغيره فهم متشوقون للقاء الأهل والأصدقاء، كان هذا بالقرب من سواحل جزر مارشال على بعد  حوالي 5000 ميل من نقطة إنطلاقهم أول مرة. 

موقع العثور على الصيادين -خرائط جوجل-
بعد أن وصل نبأ العثور عليهم أحياء إلى موطنهم عمت الفرحة، الأصدقاء والأهل الكل كان يعتقد بأنهم هلكوا لهذا كانت المفاجئة أكبر من أن يتخيلها أحد، ربما تكون أم فيدانا الوحيدة التي رفضت فكرة موت إبنها خاصتا بعد أن وجدته في منامها وهو عالق في جزيرة نائية، عاد فيدانا ليجد في إنتظاره إبنته التي ولدت أثناء غيابه وعمرها الأن أربعة أشهر، في المدينة الجميع يحضّر لحفل إستقبال كبير، الخبر عمّ  كل أرجاء المكسيك لقد أصبح الثلاثة أبطال شعبيين، وسائل الإعلام العالمية هي الأخرى إهتمت بالقصة، الكل يتحدث عن معجزة نجاة الصيادين المكسيكيين  الثلاثة.

 في المكسيك أثيرت بعض الشكوك حول الرجال الثلاثة الذين أثبت الفحص الطبي الذي أجري لهم في جمهورية جزر مارشال عافيتهم التامة، البعض يعتقد بأن الثلاثة تمكنوا من النجاة بعد أن إلتهموا رفاقهم الإثنين، والبعض الآخر إدّعى بأن القارب لم يكن لصيد سمك القرش ولكن من أجل نقل المخدرات نحو الولايات المتحدة الامريكية، كل هذه التهم نفاها الثلاثة عبر وسائل الإعلام التي تطرقت لهذه الفرضية، مؤكدين بأن طاقم السفينة التايوانية قبل أن يصلوا بهم إلى أراضي جزر مارشال قدموا لهم عناية جيدة وهذا هو سبب حالتهم الصحية الجيدة.

الثلاثة صرحوا بأنهم لا يرغبون في مشاهدة القارب بعد اليوم وفضلوا تركه في مكانه، فلقد مكثوا فيه لوقت طويل، لكن بالطبع لن يتخلوا عن مهنة الصيد، مصدر رزق عائلاتهم، كما أكّد فيدانا لوسائل الإعلام متحدثا عن نفسه.


المصادر:

cbcnews.com

nbcnews.com

leparisien.fr

lefigaro.fr

rfi.fr


0 التعليقات: